ابن قيم الجوزية

257

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

فصل وأما البكم فقال تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ( 18 ) [ البقرة ] والبكم جمع أبكم ، وهو الذي لا ينطق ، والبكم نوعان : بكم القلب ، وبكم اللسان . كما أن النطق نطقان : نطق القلب ، ونطق اللسان . وأشدهما بكم القلب ، كما أن عماه وصممه أشد من عمى العين وصمم الأذن ، فوصفهم سبحانه بأنهم لا يفقهون الحق ، ولا تنطق به ألسنتهم . والعلم يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب من سمعه وبصره وقلبه ، وقد سدّت عليهم هذه الأبواب الثلاثة ، فسدّ السمع بالصمم ، والبصر بالعمى ، والقلب بالبكم ، ونظيره قوله تعالى : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ( 179 ) [ الأعراف ] وقد جمع سبحانه بين الثلاثة في قوله : وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ ( 26 ) [ الأحقاف ] فإذا أراد سبحانه هداية عبد ، فتح قلبه وسمعه وبصره ، وإذا أراد ضلاله ، أصمّه وأعماه وأبكمه . وباللّه التوفيق . فصل وأما الغشاوة : فهو غطاء العين ، كما قال تعالى : وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً ( 23 ) [ الجاثية ] وهذا الغطاء سرى إليها من غطاء القلب ، فإنّ ما في القلب يظهر على العين من الخير والشر ، فالعين مرآة القلب ، تظهر ما فيه ،